أحمد بن يحيى العمري
275
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
« 1 » وهؤلاء طائفة ؛ كثيرة العدد ، ومنهم فرق مفرقة في البلاد ، وفيهم ملك وإمارة ، وإقدام وشطارة ، ولهم خفة في الحركات ، وصدق في القول ، يقف الرجل منهم إلى جانب البناء المرتفع ، ويلصق بطنه بأحد الزوايا القائمة به ، ثم يصعد فيه إلى أن يرتقى صهوته ، العليا ، ومنهم من يخالس الرجل ماله ، ويأخذه منه ، وهو لا يدري . وربما أمسك الرجل منهم ، وضرب بالسياط ، وعوقب أشد العقاب ، فلا يقر أنه أخذه ، ولا يعرفه ، فإذا حلف بستر الله ، وأقسم عليه به ، أقر واعترف . وفي بلاد مصر والشام منهم طوائف ، وفي بلاد الشامية معظمهم ، ولهم في هذا وقائع مشهورة ، وأحوال مشهودة . وما يحكى أن السلطان صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن أيوب [ 1 ] رحمه الله ، حضر إليه رجل منهم ، وأظهر له أشياء من أفعاله اللطيفة ، وحركاته الخفيفة ، حتى أنه وقف إلى جانب بناء مرتفع ، وارتفع والتصق به ، وارتفع حتى استوى على أعلاه ، وصلاح الدين رحمه الله يظهر العجب من شطارته ، وخفة حركته ، وقدرته على ما لا يقدر عليه مثله ، فلما نزل خلع عليه ، وأكرمه ، وحمله على فرس وأقطعه أقطاعا جليلا ، وقال له : اشتهى أن يكون عندنا جماعة منكم ، فإننا ما نستغني عنكم لنتوصل بكم ( المخطوط ص 136 ) إلى حصون الأعداء [ 2 ] . فبقى هذا اللرى [ 3 ] يجلب له واحدا بعد واحد ممن يقدر على هذا منهم ، فكلما جاء واحد منهم أكرمه صلاح الدين ، وخلع عليه ، وأقطعه الأقطاع ، حتى لم
--> ( 1 ) سقطت الفصل الثاني في ب 125 .